الذهبي

78

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وحكى لي أبو الحسن عليّ بن إبراهيم الأنصاريّ الحنبليّ عن أبي الحسن سعد الخير قال : ما رأينا في سنّ الحافظ أبي القاسم مثله . وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن المسعوديّ : سمعت أبا العلاء الهمذانيّ يقول لرجل ، وقد استأذنه أن يرحل ، فقال : إن عرفت أستاذا أعرف منّي أو في الفضل مثلي فحينئذ آذن لك أن تسافر إليه ، إلّا أن تسافر إلى الحافظ ابن عساكر ، فإنّه حافظ كما يجب . فقلت : من هذا ؟ فقال : حافظ الشّام أبو القاسم ويسكن دمشق . وأثنى عليه . وكان يجري ذكره عند خطيب الموصل أبي الفضل فيقول : ما نعلم من يستحقّ هذا اللّقب اليوم ، أعني الحافظ ، ويكون به حقيقا سواه . كذا حدّثني أبو المواهب بن صصريّ ، وقال : لمّا دخلت همذان أثنى عليه الحافظ أبو العلاء وقال : أنا أعلم أنّه لا يساجل الحافظ أبا القاسم في شأنه أحد ، فلو خالق النّاس ومازحهم كما أصنع ، إذا لاجتمع عليه الموافق والمخالف . وقال لي يوما : أيّ شيء فتح له ، وكيف ترى النّاس له ؟ قلت : هو بعيد من هذا كلّه ، لم يشتغل منذ أربعين سنة إلّا بالجمع والتّصنيف والتّسميع في نزهه وخلواته . فقال : الحمد للَّه ، هذا ثمرة العلم . ألا إنّا قد حصل لنا هذا المسجد والدّار والكتب ، هذا يدلّ على قلّة حظوظ أهل العلم في بلادكم . ثمّ قال لي : ما كان يسمّى أبو القاسم ببغداد إلّا شعلة نار من توقّده وذكائه وحسن إدراكه [ ( 1 ) ] . وقال أبو المواهب : أمّا أنا فكنت أذاكره في خلواته عن الحفّاظ الّذين لقيهم . فقال : أمّا ببغداد فأبو عامر العبدريّ ، وأمّا بأصبهان فأبو نصر اليونارتيّ ، لكنّ إسماعيل الحافظ كان أشهر منه .

--> [ ( 1 ) ] معجم الأدباء 13 / 84 ، 85 .